مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
45
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
الإنسان بصورة صحيحة استطاع أن يفهم المواضيع العقائدية الشرعية ، وأن دور النصوص الشرعية هو أن تحرك الأفكار وتلهم العقول والأفهام ، وتجعل الأصول والمبادى اللازمة بمتناوله . ولا معنى للتعبد في مورد المسائل الفكرية أبدا ، فإن تفكر الإنسان طبق الأوامر الصادرة إليه يشبه أن يرى حسب الأوامر مثلا ، فيسأل من الآمر الناهي : كيف يفرض لي أن أرى هذا الشيء : هل هو كبير أم صغير أبيض هو أم أرزق أم أسود جميل أم قبيح أن التفكر التعبدي لا معنى له سوى قبول الفكرة بدون تفكر ، أي عدم التفكر . والخلاصة : أن ليس الكلام في أنه هل يقدر البشر على أن يتجاوز تعاليم السماء والوحي ، أم لا . . فإن ما نزل من طريق الوحي وأهل بيته ( ع ) هو آخر حدود الصعود والكمال في المعارف الإلهية ، وإنما الكلام في مدى استبداد العقل والفكر البشري ، وهل أنه يقدر أن يصعد بالنظر في مبادى ء وأصول هذه المسائل عقليا وعلميا أم لا يستطيع . وأما دعوة القرآن إلى التحقيق والمطالعة في أمور الطبيعة ، وأن تكون الطبيعة خير وسيلة إلى معرفة اللّه وما وراء الطبيعة . . . فلا كلام في أنه من الأصول الأساسية في تعاليم القرآن والذي يصر عليه القرآن ويؤكده : هو توجيه فكر البشر إلى الطبيعة وظواهر الصنع والخلقة ، وأن يتفكروا في خلق السماوات والأرض والنبات والحيوان والإنسان ، بعنوان أنها من آيات اللّه والحكمة والمعرفة الإلهية . وأيضا لا شك في أن المسلمين لم يتقدموا في هذا السبيل كما ينبغي لهم . وقد يكون السبب الأصيل في هذا التأخر عن النظر في الصنع هو الفلسفة اليونانية التي كانت عقلية محضة ، وكانت حتى في الطبيعيات تسلك هذا السبيل العقلي فقط . وإن كان المسلمون - كما يشهد التاريخ - لم يرفضوا الطريقة التجريبية بصورة مطلقة كما فعل اليونان ، بل إنهم يعدون - بحق - المبتكر الأول للطريقية التجريبية وليس الأوروبيون كما يزعمون ، بل هم عيال في ذلك على علماء المسلمين .
--> ( 1 ) انظر مقدمة الجزء الخامس من كتاب ( أصول الفلسفة ) للسيد الطباطبائي : محمد حسين .